السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

137

مفاتيح الأصول

التقييد والمجاز معا ولا ريب أن التزام أحدهما مع الإمكان هو المتعين وأمّا احتمال عموم المجاز مع بقاء الإطلاق على حاله فمع ضعفه هنا بالإجماع فلا شك أنّه مرجوح بالقياس إلى الوجوب الشرطي فكيف بالوجوب الغيري مع التقييد ومثل ذلك قوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطَّهّروا بناء على صرفه عن الوجوب النفسي وقال رحمه الله قيل هذا الأصل في الأمر الوجوب وفي الواجب أن يكون لنفسه فإن تعذر الوجوب النفسي كان واجبا لغيره فإن امتنع كان واجبا شرطيا فإن لم يمكن كان ندبا ويترتب أيضا فالأصل أن يكون مندوبا لنفسه فإن امتنع كان مندوبا لغيره فإن امتنع انتقل إلى الإباحة انتهى وقد يناقش في بعض ما ذكره بما لا يخفى تنبيه اعلم أنّه إذا ثبت كون الشيء واجبا لغيره فلا إشكال في عدم وجوبه إذا سقط التكليف بما وجب له هذا الشّيء ولم يجب وكذا لا إشكال في وجوبه إذا ثبت التكليف ووجب وإنّما الإشكال في وجوبه قبل وجوب ما وجب له والثمرة تظهر في الإتيان بالوضوء قبل دخول وقت الصلاة الَّتي وجب الوضوء لها بنية الوجوب فإن قلنا بجواز اتصاف الواجب بالغير بالوجوب قبل اتصاف ما وجب له به جاز الإيقاع بنية الوجوب وإلَّا فلا وهذه مسألة خلافية ذهب الأكثرون من أصحابنا على الظاهر إلى الثاني ولهذا جعلوا ثمرة النزاع بين القول بكون الطهارات واجبة لنفسها والقول بكونها واجبة لغيرها أنّه ينوى على الأول الوجوب قبل دخول وقت الصّلاة وعلى الثاني ينوى الندب ويظهر من السرائر أن هذا القول قول الأصوليين ولعلّ حجتهم فيما صاروا إليه أن السبب والعلَّة في وجوب ما هو واجب بالغير ليس إلَّا وجوب ذلك الغير ولذا لو سقط وجوبه سقط وجوب هذا قطعا وإلَّا كان واجبا لنفسه فلا يجوز أن يتقدّم المعلول على علَّته وهو واضح بالبديهة وفيه نظر وصار جماعة من متأخري الأصحاب كالمحقّق الخونساري والمقدس الأردبيلي رحمه الله وصاحب الذخيرة وغيرهم إلى الخلاف وقال الأول والثالث لا مانع من أن يكون الفعل واجبا لغيره ومع ذلك يفعل وجوبا قبل دخوله إذا كان وجوب الغاية في وقتها معلوما أو مظنونا وزاد الثالث فقال ألا ترى أن قطع المسافة ليس واجبا لنفسه بل واجب للحج ومع ذلك لم يجب إيقاعه إلَّا قبل زمان الحج وإذا كان قطع المسافة قبل زمان الحج واجبا لم يصح فعله بنية الندب بل الوجوب بل نقول صحة الصوم مشروطة بالاغتسال من الجنابة سابقا عند الأكثر وما لا يتم الواجب المطلق إلَّا به فهو واجب فيكون الغسل واجبا للصّوم قبل دخول وقته فحينئذ يفعله بنيّة الوجوب انتهى والتحقيق أن مقدّمات الواجبة المضيّقة تجب قبل وجوبها بمعنى أن العقل يحكم بلزوم الإتيان بها حتى أنها لو كانت من العبادات لحكم بصحتها وتحقق الأمر بها لأن العبادة لا تصحّ إلَّا من جهة الأمر وهي ليست كسائر المقدمات الَّتي لا يحكم بوجوبها شرعا ولا تعلَّق الأمر بها ولكن اللزوم المستفاد من العقل أنّما هو فيما إذا علم أو ظن أنّه إذا لم يأت بها يفوت المأمور به لا مطلقا فيشترط فيما إذا كانت المقدمة عبادة قيام دليل من الخارج على مطلوبيّتها مطلقا ولو قبل ظن الوفاة وإذا قام لم يستنكف ونحوه ما لو قام دليل من الخارج على مطلوبية مقدمة الواجب الموسع قبل وجوبه فإنه لم يستنكف أيضا وأمّا إذا لم يقم عليها دليل فلا يحكم بها لا عقلا ولا شرعا نعم لو أتى بالمقدمة قبل وجوب ذيها كان مجزيا إلَّا إذا كان عبادة فيشكل الحكم به لتوقفه في العبادات على الأمر والمفروض عدمه وبالجملة لا مانع من وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها والحجة العقلية التي ذكرناها على الامتناع ليست بناهضة للمنع من كون العلَّة في وجوب المقدمة وجوب ذيها لا غير لجواز أن يكون أحد الأمرين منه ومن مجرد العلم أو الظنّ بوجوب ذيها في المستقبل مع المطابقة للواقع وهذان حاصلان قبل الوقت فلا يلزم تقدم المعلول على علَّته بتقدير وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها القول في النّهي مقدّمة اختلف عباراتهم في تعريف النهي ففي المعارج النّهي هو قول القائل لغيره لا تفعل أو ما جرى مجراه على سبيل الاستعلاء مع كراهة المنهي عنه وفي العدة النّهي هو قول القائل لمن دونه لا تفعل وإنما يكون نهيا إذا أكره المنهي عنه وفي النهاية النهي طلب الترك بالقول على جهة الاستعلاء وفي المنية الحق أن النّهي هو القول الدّال على طلب الترك على جهة الاستعلاء وفي شرح الزبدة للفاضل الجواد أنّه طلب كف عن فعل بالقول استعلاء وفي المختصر النهي اقتضاء كف عن فعل وفي شرحه للعضدي للمنهي اقتضاء كف عن فعل على جهة الاستعلاء وينبغي التنبيه على أمور الأوّل قال في الإحكام اعلم أنّه لمكان النّهي مقابلا للأمر فكلّ ما قيل في حدّ الأمر على أصولنا وأصول المعتزلة من المزيف والمختار فقد قيل في مقابله في حدّ النهي انتهى وأشار ما ذكره العضدي أيضا فقال ما قيل في حدّ الأمر من مزيف وغيره قيل في مقابله في حدّ النّهي مثل أنّه القول المقتضي طاعة المنهي بترك المنهي عنه أو قول القائل لمن دونه لا تفعل مجرّدة عن القرائن الصّارفة عن النّهي أو صيغة لا تفعل